الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
468
تفسير روح البيان
ولم يكن له عقب وَتَرَكْنا عَلَيْهِ أبقينا على نوح فِي الْآخِرِينَ من الأمم : وبالفارسية [ در ميان پسينيان ] سَلامٌ عَلى نُوحٍ اى هذا الكلام بعينه وهو وارد على الحكاية كقولك قرأت سورة أنزلناها فلم ينتصب السلام لان الحكاية لا تزال عن وجهها . والمعنى يسلمون عليه تسليما ويدعون له على الدوام أمة بعد أمة فِي الْعالَمِينَ بدل من قوله في الآخرين لكونه أدل منه على الشمول والاستغراق لدخول الملائكة والنقلين فيه . والمراد الدعاء بثبات هذه التحية واستمرارها ابدا في العالمين من الملائكة والثقلين جميعا . وفي تفسير القرطبي جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح لا احملكما لأنكما سبب الضر والبلاء فقالا احملنا فنحن نضمن لك ان لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين يخاف مضرتهما ( سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) لم يضراه ذكره القشيري وفي التأويلات النجمية يشير بهذا إلى أن المستحق لسلام اللّه هو نوح روح الإنسان لأنه ما جاء ان اللّه سلم على شئ من العالمين غير الإنسان كما قال تعالى ليلة المعراج ( السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ) فقال عليه السلام ( السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ) وما قال وعلى ملائكتك المقربين . وانما كان اختصاص الإنسان بسلام من بين العالمين لأنه حامل الأمانة الثقيلة التي اعرض عنها غيره فكان أحوج شئ إلى سلام اللّه ليعبر بالأمانة على الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعرة واحد من السيف ولهذا قال النبي عليه السلام ( تكون دعوة الرسل حينئذ رب سلم سلم ) وهل سمعت ان يكون لغير الإنسان العبور على الصراط وانما اختصوا بالعبور على الصراط لأنهم يؤدون الأمانة إلى أهلها وهو اللّه تعالى فلا بد من العبور على صراط اللّه الموصل اليه لاداء الأمانة إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الكاف متعلقة بما بعدها اى مثل ذلك الجزاء الكامل من إجابة الدعاء وابقاء الذرية والذكر الجميل وتسليم العالمين ابدا نجزى الكاملين في الإحسان لاجزاء أدنى منه فهو تعليل لما فعل بنوح من الكرامات السنية بأنه مجازاة له على إحسانه إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تعليل لكونه من المحسنين بخلوص عبوديته وكمال إيمانه وفيه اظهار لجلالة قدر الايمان وأصالة امره وترغيب في تحصيله والثبات عليه وفي كشف الاسرار خص الايمان بالذكر والنبوة اشرف منه بيانا لشرف المؤمنين لا لشرف نوح كما يقال إن محمدا عليه السلام من بني هاشم قال عباس بن عطاء أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين وأدنى مراتب النبيين أعلى مراتب الصديقين وأدنى مراتب الصديقين أعلى مراتب المؤمنين ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ اى المغايرين لنوح وأهله وهم كفار قومه أجمعين [ والإغراق : غرقه كردن يعنى آنكه ديكرانرا بآب كشتيم ] وهو عطف على نجيناه . وثم لما بين الانجاء والإغراق من التفاوت وكذا إذا كان عطفا على تركنا وليس للتراخى لان كلا من الانجاء والإبقاء انما هو بعد الإغراق دون العكس كما يقتضيه التراخي وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ اى ممن شايع نوحا وتابعه في أصول الدين لَإِبْراهِيمَ وان اختلفت فروع شريعتيهما ويجوز ان يكون بين شريعتيهما اتفاق كلى أو أكثري وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما من أهل دينه وعلى سنته أو ممن شايعه على التصلب